وتأتي معجزة أخرى في هذا الطريق الطويل، فيتحول المكان المجدب الذي خلا من الطعام إلا شاة قد خلَّفَها الجهد عن بقية الغنم، وأصبحت أجهد من أن يكون بها لبن إلى شاة قد درت لبناً؛ فاستقى القوم منها، فقد مَرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه بخيمتى أم معبد الخزاعية فسألوها لحماً وتمراً ليشتروا منها؛ فلم يُصيبوا عندها شيئاً من ذلك، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة ، فقال: (ما هذه الشاة يا أم معبد ؟ ) قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم، قال: (هل بها من لبن ؟ ) قالت: هي أجهد من ذلك، قال: (أتأذنين لي أن أحلبها ؟ ) قالت: بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلباً فاحلبها، فدعا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح بيده ضرعها؛ وسمى الله تعالى ودعا لها في شاتها؛ فتفاجت؛ عليه ودرت فاجترت؛ فدعا بإناء، فحلب فيه ثجاً حتى علاه البهاء، ثم سقاها حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا؛ وشرب آخرهم، ثم حلب فيه الثانية على هذه، حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها ثم بايعها، وارتحلوا عنها…
وتتكرر دماثة خُلُقِه صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف، حيث يستأذن المرأة في حلب شاتها، ويقوم هو بنفسه صلى الله عليه وسلم بعمل ذلك، ثم يبدأ بسقيا المرأة أولاً حتى رَوِيَت، فراعى صلى الله عليه وسلم ملكيتها للمكان والشاة، ثم يسقي أصحابه حتى رووا ثم يشرب صلى الله عليه وسلم آخرهم، ولم يكتف بذلك عليه الصلاة والسلام؛ بل زاد من كرمه ودماثة خُلُقه أن ملأ لها الإناء ثم غادروا المكان. وهكذا يقدم صلى الله عليه وسلم لأمته في كل موقف من مواقف حياته الدروس العملية والخُلُقية التي تزكوا بها النفوس وتعلوا في ركاب الحضارة والمدنية الصحيحة ذات البناء الخلقي الرفيع. وفي الحديث بيان إسلام أم معبد، حيث قالت رواية الحديث (ثم بايعها)
ثم تقول رواية هذا الحديث: ثم ما لبث أن جاءها زوجها أبو معبد، فلما رأى اللبن أعجبه، فقال: من أين لك هذا يا أم معبد ؟ والشاء عازب حائل ولا حلوب في البيت، قالت: لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك، من حاله كذا وكذا، قال: صفيه لي يا أم معبد، فوصفته، فقال: هذا والله صاحب قريش الذي ذُكِر لنا من أمره ما ذُكِر، ولقد هممت أن أصحبه ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا. وأصبح صوت بمكة عالياً يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه، وهو يقول :
جزى الله رب الناس خير جزائه
رفيقين حلا خيمتى أم معبد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها
فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
وفي كلام أبي معبد ما يفيد أن خبر نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وصل إلى بطون الصحراء؛ وطرق القوافل، حيث قال أبو معبد: هذا والله صاحب قريش الذي ذُكِر لنا من أمره ما ذُكِر.
وفيه من الفوائد: أن الصفات الحميدة داعية للتأثر والإقتداء، حيث تأثر أبو معبد بوصف وصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فعزم على صحبته، مما يبين أهمية السيرة الذاتية للداعية خاصة؛ والمسلم عامة؛ حتى يكونوا دعاة خير لهذا الدين.
ولئن ظهرت المعجزة في حصول اللبن من شاة لا لبن فيها، فقد ظهرت أيضاً في إيصال الخبر إلى مكة بأبيات قد سُمِعَ دويها في أم القرى، تُظهر وتعلن تلك المعجزة، بتأكيد على عناية ربه تبارك وتعالى به صلى الله عليه وسلم.