ثم يقول عروة بن الزبير (…وسمع المسلمون بالمدينة مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرون، حتى يردهم حَرُّ الظهيرة، فانقلبوا يوماً بعدما أطالوا انتظارهم، فلما أَوَوْا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطُمٍ من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله وأصحابه مبيَّضين يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب، هذا جدكم الذي تنتظرون…)
ويستفاد مما جاء في هذا النص: حِرْصُ أهل المدينة وتشوقهم ومحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم التي جعلتهم يغدون صبيحة كل يوم إلى الحرة ينتظرون مقدمه صلى الله عليه وسلم حتى إذا اشتد الحر عليهم عادوا إلى بيوتهم.
ولئن صَدَّ عنه كفار قريش وأهل الطائف فإن قلوباً قد تعلقت برسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة. وإنه لَعِوَضٌ عن ذلك الصدود، وعن تلك السنين التي امتلأت بالجفاء والرفض والأذى.
ويُستفاد من ذلك أن على المسلم أن يبحث عن مصلحة دينه أينما كانت، ويقدمها على كل مصلحة، حتى ولو لزم الأمر أن ينتقل من حي إلى حي أو من مدينة إلى مدينة ليحفظ فيها سلوك أهله وأخلاقهم ودينهم، أو ليُعَلِّم فيها وينشر الخير. وقد فعل ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده، فقد ذهبوا إلى بعض الأمصار لتعليم الناس، ونشر الإسلام بينهم.
ويستفاد من ذلك أن تكون حرارة قلوب المؤمنين في محبة وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم والتشوق إلى نصرة هذا الدين كحرارة قلوب الأنصار في تشوقهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.