ـ الإيذاء الجسدي :
ومن ألوان الأذى التي تعرض لها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الإيذاء الجسدي في صور متعددة، فلم يزدهم ذلك إلا إيماناً وتسليماً، وتضحية، وصبراً، فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: (بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي عند الكعبة، وجمع قريش في مجالسهم، إذ قال قائل منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائي ؟ أيكم يقوم إلى جَزورِ آل فلان فَيَعْمِدُ إلى فَرْثِها ودمها وسلاها فيجئ به، ثم يُمْهلُه حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه ؟ فانبعث أشقاهم، فلما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وضعه بين كتفيه، وثبت النبي صلى الله عليه وسلم ساجداً، فضحكوا حتى مال بعضهم من الضحك، فانطلق منطلق إلى فاطمة عليها السلام ـ وهي جويرية ـ فأقبلت تسعى، وثبت النبي صلى الله عليه وسلم ساجداً حتى ألقته عنه، وأقبلت عليهم تَسُبُّهم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال: اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش. ثم سَمَّى : اللهم عليك بعمرو بن هشام وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي مُعَيْط، وعمارة بن الوليد، قال عبدالله: فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب، قليب بدر، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأُتبِع أصحاب القليب لعنة ).
إنها صورة مخزية لأهل الكفر والضلال، حتى أنهم يتمايلون ضحكاً وسخرية من صنيعهم اللعين، الذي كدروا به صفاء كل مسلم يتذكر هذا الموقف العصيب لنبي الرحمة والهدى صلى الله عليه وسلم ولكنه عليه الصلاة والسلام ثبت ساجداً حتى أتته ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها، وهي جويرية، وكأني بها في ألم وحسرة مما أصاب والدها ونبيها وحبيبها محمداً صلى الله عليه وسلم ولكنه الكرب الذي بعده النصر والعزة والسؤدد، فاستحقوا اللعن منه صلى الله عليه وسلم فأصابتهم دعوة النبي المظلوم، فأصبحوا صرعى يُسحبون إلى القليب، قليب بدر. فهكذا تكون نهاية المجرمين الذين لا يتعظون ولا يفكرون في مغبة الظلم والجبروت.
ويعطي هذا الموقف دروساً يلزم أن يتربى عليها المجتمع المسلم؛ من هجرٍ للظلم والتمرد على الحق، والطغيان في حق كل من يتم التعامل معهم، فليس للطغيان صورة واحدة، متمثلة في ذلك الموقف القاسي، بل قد يكون في صور أخرى، في ظلم الجار لجاره، والأخ لأخيه، والقريب لقريبه، والصديق لصديقه، والزوج لزوجته، والزوجة لزوجها، والعامل مع صاحب العمل، وصاحب العمل مع عامله، والمعلم مع طلابه، والطلاب مع معلميهم، والمدير مع موظفيه، فدعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب) .
إن احتقار الآخرين ظلم لهم، وأن منعهم حقوقهم المعنوية أو المادية ظلم لهم، قال تعالى (ولا تبخسوا الناس أشيائهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين) فلا يحق للمستأجر أن يبخس حق المؤجر، ولا المؤجر حقوق المستأجر، ولا البائع حق المشتري، ولا المشتري حق البائع، ولا الرئيس حق المرؤوس ولا المرؤوس حق الرئيس، ويقاس على ذلك. فإنه دين الرحمة ونبي الرحمة.
ولقد مس مشركي مكة الجوع والجهد والبلاء بدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لعلهم يرجعون إلى الصواب والحق، قال عبدالله بن العباس رضي الله عنهما: (أن قريشاً لما استعصت على النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم قحط وجهد، حتى جعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد، وحتى أكلوا العظام، فأتى النبيَ رجلُ فقال: يا رسول الله ! استغفر الله لمضر، فإنهم قد هلكوا، فقال: لمضر ؟ إنك لجرئ، قال: فدعا الله لهم، فأنزل الله عزَّ وجل (إنا كاشفوا العذاب قليلاً إنكم عائدون). قال: فَمُطِروا. فلما أصابتهم الرفاهية، قال: عادوا إلى ما كانوا عليه، قال: فأنزل الله عزَّ وجل (فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم (يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون) قال: يعني يوم بدر) .
ودعوته عليهم صلى الله عليه وسلم بسبب تكذيبهم إياه؛ واستعصائهم على الإيمان، وليس بسبب إيذائهم له، فطالما احتمل أذاهم، ولم يدع عليهم، بل دعا لهم بالهداية.
ويلاحظ أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يدع عليهم بالهلاك الكلي من رحمته وشفقته، ولكن دعا عليهم بما يجعلهم يتضرعون فيرجعون لرشدهم، ويتوبون إلى الله تعالى، فاستعمال العقوبة للتأديب، مثل الهجر ومنع العون والمساعدة رجاء أن يستجيب أهل الباطل ويُذعنون للحق، وفي هذا الدعاء الذي ذكرته رواية ابن عباس رضي الله عنهما دليل على رحمته وشفقته وصبره صلى الله عليه وسلم وهو ما عُرِف عنه طيلة حياته؛ وفي وصاياه وأقواله وأفعاله وتقريراته عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
وفي هذا الموقف ما يدل على أن من كفر منهم ولم يؤمن إنما كان ذلك بسبب الكبر والحسد واتباع سبيل الشيطان الرجيم، حتى إذا كشف الله عنهم ما أصابهم وحلت عليهم الرفاهية عادوا إلى ما كانوا عليه، وهكذا المتمردون في كل وقت وحين.
فالعاقل إذا مسه الله تعالى بضر، يلجأ إلى الله تعالى ويتفقد نفسه وأحواله، ويُصلحها، وإذا عادت إليه الرفاهية والنعمة، فلا ينكص كما هو فعل الجاحدين الكافرين المارقين، فكم من نعم تُصِيب الإنسان بعد بلاء وجهد، فينسى ما كان فيه من بلاء فيبطر ويتكبر. قال تعالى ( ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسَّته ليقولَنَّ ذهب السيئات عني إنه لفَرِحٌ فخور إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير).
فهذا مسلك الإنسان إذا أذاقه الله تعالى نعمة منه ثم نزعها أصابه اليأس والقنوط، ولئن أذاقه نعمة بعد ضراء وابتلاء أصابه الفرح والفخر والخيلاء، ويسلم من ذلك: الذين يصبرون على البلاء في حالة المصيبة، والذين يعملون الصالحات في حال الرخاء والنعمة، فهؤلاء لهم مغفرة من الله تعالى ولهم أجر عظيم من الرب تبارك وتعالى.
ومن صور الإيذاء ما ذكره عبدالله بن عمرو بن العاص حين سأله عروة بن الزبير: أخبرني بأشد ما صنع المشركون برسول الله صلى الله عيه وسلم فقال: (بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي مُعَيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر، فأخذ بمنكبه ودفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم))
إن هذا النوع من الأذى يصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صابر على قومه، يتحمل أذاهم، دون أن يقاومهم، فتشتد الفرقة، ويتسع بُعْدُهم عن القبول والدخول في الإسلام، وإنها لتصرفات رسول حكيم رؤوف في دعوته، ينتصر لها ولا ينتصر لنفسه، وإن من عوامل الانتصار للرسالة الصبر والحلم.
وإنه ليجدر بالإنسان المسلم أن يصبر في دعوته على الأذى أياً كانت درجته ونوعه، ولا يقابل ذلك بالإيذاء والاعتداء، وإزهاق الأنفس، والتدمير الغاشم الذي لا يفرق بين الحق والباطل، فلم يعمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القتل أو التنكيل والتعذيب والتدمير، وإنما يصبر ويَحْلِم على تصرفات الأعداء، لأنه لا يريد الانتصار لنفسه، وإنما كان مشفقاً على البشرية، يرجو رحمتهم بدخولهم في دين الله تعالى، حتى في دعائه، كما مر بنا، أنه لم يدعو عليهم بالهلاك الكلي، وإنما دعا بما يجعلهم يعودون إلى ربهم، وذلك أن تصيبهم سنين كسني يوسف عليه السلام.
ولقد بلغ من أذاهم أن تواعدوا على قتله صلى الله عليه وسلم فعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: (إن الملأ من قريش اجتمعوا في الحجر فتعاقدوا باللات والعزى ومنات الثالثة الأخرى ونائلة واساف، لو قد رأينا محمداً لقمنا إليه قيام رجل واحد، فلم نفارقه حتى نقتله، فأقبلت ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها تبكي، حتى دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: هؤلاء الملأ من قريش قد تعاقدوا عليك، لو قد رأوك، لقد قاموا إليك فقتلوك، فليس منهم رجل إلا قد عرف نصيبهم من دمك، فقال: يا بنية أريني وضوأ فتوضأ ثم دخل عليهم المسجد، فلما رأوه قالوا: ها هو ذا وخفضوا أبصارهم وسقطت أذقانهم في صدورهم وعقروا في مجالسهم فلم يرفعوا إليه بصرا، ولم يقم إليه منهم رجل، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قام على رؤوسهم فأخذ قبضة من التراب، فقال: شاهت الوجوه، حتى حصبهم بها، فما أصاب رجلاً منهم من ذلك الحصى حصاة إلا قُتِلَ يوم بدر كافراً ) .
فهكذا سولت لأولئك الملأ أنفسهم بالتعاقد والتعاهد على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن حماية الله تعالى لنبيه ونصرته له، وعِصْمَتُه له منهم منعته من ذلك، بل أذاق أولئك النفر الخزي يوم بدر، ونكصوا على رؤوسهم قبل ذلك بعد تعاقدهم على قتله صلى الله عليه وسلم فهذا نصر الله لمن انتصر لله وبالله تعالى.