ـ إيذاء المشركين للصحابة:
لقد شمل الأذى الداخلين في دين الله تعالى، حيث امتد الأذى لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستضعف الضعفاء، وبُطِشَ بهم، وعُذِّبُوا ، فعن عبدالله بن مسعود صلى الله عليه وسلم قال :(أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وعمار وأمه سمية، وبلال، والمقداد، فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدرع الحديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم إنسان إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلال، فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأعطوه الولدان وأخذوا يطوفون به شعاب مكة، وهو يقول: أحد أحد) .
فهكذا يُعطينا ابن مسعود رصي الله عنه عند سرده للإيذاء درساً في التوحيد، إذ يُوكل المنعة لله سبحانه وتعالى بعمه أبي طالب، فيقول: (منعه الله بعمه) فلم يعمد للأسباب، فيقول منعه عمه، وإنما جعل الأسباب جند من جنود الله تعالى، وكذلك عندما ذكر أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: (منعه الله بقومه).
ثم هذا بلال بن رباح الحبشي رضي الله عنه يُقدم الآخرة على الدنيا ولذائذها، وهو لم يعرف بعد الكثير من تفاصيل الإسلام التي نزل بها جبريل خلال ثلاث وعشرين سنة. فيتصدى لأذى قومه بتوحيد الله تعالى في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، فيقول: أحد أحد، لِيَدُلَ بها على أن الله تعالى هو الواحد الأحد؛ ولا معبود سواه، ولا رب غيره، هو الواحد الأحد.
لقد كان بلال رضي الله عنه صادق الإسلام، طاهر القلب، وكان أمية بن خلف بن وهب يُخْرِجُه إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا والله لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى، فيقول وهو في ذلك البلاء: أحد أحد.
فلم يزعزعه رضي الله عنه الأذى وحرارة الشمس التي يُمَرَّغُ عليها جَسَدُه، ولا طواف الصبيان به في شعاب مكة، وبين بيوتها، لم ينظر إلى رؤية النساء له، ولا الصبية ولا علية القوم، وإنما نظر إلى طاعة الله تعالى، وإلى الآخرة وما فيها من نعيم مقيم، وكم يُقَدِّم المسلمون اليوم ألواناً من التقاعس عن أداء العبادات والواجبات وكثيرٍ من السنن التي لا يعاتبهم عليها أحد، ولا يثنيهم عن القيام بها إنسان ولا قوة، فكيف لو كان هناك من يُجالدهم عليها ؟
إن بلال بن رباح رضي الله عنه يقدم لنا أنموذجاً ونصيحة حية تُدوي في أرجاء المعمورة منذ ألف وخمسمائة سنة تقريباً، فذهب بلال وأبقى لنا سيرته العطرة رضي الله عنه.
فهذا بلال قد امتدت له رحمة الله تعالى بعبده أبي بكر الصديق رضي الله عنه ليسجل في صحائف المسلمين الأوائل النصرة لله تعالى؛ من خلال نصرة إخوانه المستضعفين في الأرض، فيشتري بلالاً من أمية؛ ثم يعتقه من ذلك التعذيب المهين والاستعباد المقيت إلى حرية الدين وعبودية الله تعالى، قال عمر رضي الله عنه (أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا، يعني بلال) وقالت عائشة رضي الله عنه (أعتق أبو بكر رضي الله عنه سبعة ممن كان يُعذب في الله عزَّ وجل، منهم بلال وعامر بن فهيرة ).
وممن ذاق ألوان العذاب من كفار قريش آل ياسر ـ رضي الله تعالى عنهم ـ فقد كان بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه وأمه، وكانوا أهل بيت إسلام، إذا حميت الظهيرة؛ يعذبونهم برمضاء مكة، فيمر بهم رسول الله رضي الله عنه فيقول: صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة، فأما أمه فقتلوها، وهي تأبى إلا الإسلام.
لقد قدمت هذه الأسرة أنموذجاً في الصبر على بلاء التعذيب والنكاية، فكيف بمن لا يصبر على ابتلاء الدنيا في المال والولد والمرض والقلة والفاقة، إنها جميعاً تهون أمام التعذيب البغيض الذي يرى فيه عمار بن ياسر أمه وهي تُعَذَّب أمامه، ووالده الذي يمثل أصله وعِرْضَهُ يُعَذَّب بين يديه وأمام بصره، أو ذلك الابن ياسر وهو يُعَذَّب بالرمضاء أمام أبويه، فينظران إليه في شفقة ورحمة، ولكن كل ذلك لم يثنيهم عن الصبر من أجل دينهم.
إنها الأسرة النموذجية في الصبر والفداء، ولكن لتلك الكلمات العطرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والبشارة الكريمة بالجنة (أبشروا آل ياسر فإن موعدكم الجنة) إنها لتذكو في نفوسهم مشاعل الخير والصبر، والنظرة الطويلة الثاقبة إلى ما بعد هذه الدنيا.
ولكم نحتاج إلى دراسة وقراءة هذه النماذج المؤمنة التي تعطينا الدروس والعبر فيما يجب أن يكون عليه المسلم، فلئن صبروا على الأذى فكيف بمن لا يصبر على الطاعة في غير أذى، إلا أن الصدود عنها أو التكاسل فيها بسبب اتباع الهوى وحب الراحة والدعة.
وممن لقي التعذيب والتنكيل خباب بن الأرَت رضي الله عنه حتى أنه يأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويشكو إليه ما يجده، حيث يقول ( شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا ؟ ألا تدعو لنا ؟ قال: كان الرجل فيمن قبلكم يُحفر له في الأرض، فيُجعل فيه، فيُجاء بالميشار فيوضع فوق رأسه فينشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله لَيُتَّمنَّ هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون ).
فما شكوى خباب وأصحابه إلا لبلوغ العذاب مبلغاً لا يستطيعون الصبر عليه، حتى بلغت آثاره في ظهره علامة قد ارتسمت، فقد جاء خباب إلى عمر فقال: أدن، فما أحد أحق بهذا المجلس منك إلا عمار، فجعل خباب يُريه آثاراً بظهره مما عذبه المشركون) .
فيلاحظ في الحديث الأول الشكوى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدعو لهم، ويسأل الله تعالى لهم الخلاص، فلم يذهبوا للماديات والالتجاء إليها، وإنما ذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدعو ربه عزَّ وجل، فسبحانه وتعالى هو كاشف الكربات، وهو مزيل الملمات، فيعمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى التذكير لشحذ الهمم حتى يصبروا على ما أصابهم، من خلال عرض النماذج السابقة، وما كانوا يجدونه من أذى تتمزق به الأجساد بمناشير وأمشاط، فلا يردهم ذلك عن دينهم، ثم يؤكد لهم أن هذه مرحلة ستنتهي بإذن الله تعالى، حتى أن أمر هذا الدين سيبلغ أثره الأمني نتيجة دخول الناس في دين الله تعالى وتمسكهم به، أن يبلغ الأمن ذروته، فيخرج الرجل لا يخاف إلا الله تعالى أو الذئب على غنمه، وليس ذلك في مكة فقط، بل سيبلغ أبعد من ذلك، من صنعاء إلى حضرموت، فهي إشارة إلى اللبيب خباب بن الأرَت وإخوانه المستضعفين، بأن هذا البلاء سينتهي، وسيكون بعده رخاء وعزة ومنعة وأمن وأمان. وفي الحديث بيان وصول الإسلام إلى نهاية جنوب جزيرة العرب.
وفي هذا الحديث دليل على أن الإسلام إذا تمسك به المسلمون فإنه يحقق لهم الأمن والرخاء.
ثم يظهر من موقف عمر بن الخطاب في الحديث الثاني إنزال الناس منازلهم، وأن مكانة خباب عظيمة ورفيعة عند عمر، وأن هذا المجلس لا يتقدم فيه إلا عمار بن ياسر، نتيجة ما وجدوه من البلاء والعذاب.
فلقد كان عمر رضي الله عنه كريماً في خُلُقه، وحكيماً في رأيه، ومرشداً للناس في الخير والآداب، فيجب إنزال الناس منازلهم، وليس في ذلك إلا إحقاق الحق لأهل الحق، فكيف بمن يقلل من مكانة أهل التقى والعلم، ويُقَدِّم عليهم مَنْ هُمْ دونهم من أهل المال واليسار والمناصب.
ثم هذا خباب يُظهر ما وجده من التعذيب والتنكيل، فيكشف عن ظهره لمزيد من الإيضاح عن ما لقيه؛ مما يدل على إظهار الفضائل أو الخصائص إذا خفيت، فلله درك يا عمر في معرفة منازل الناس وحفظ حقوقهم، ولله درك يا خباب في كل فعل فعلته للإسلام. رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فقد استحقيتم الصحبة وقدمتم التضحية والأنموذج الأمثل لمن بعدكم.
فهكذا طال التعذيب الداخلين في الإسلام، إلا من كانت له منعة من الله بقومه، مما يدل على أن المنعة قد تكون نتيجة القوة أو التظافر والتكاثر، وهو درس عظيم في أن مِمَّا يصد عن الأمة أعداءها التكاتف والتعاضد، وحمايتهم لرعاياهم ولأوطانهم أينما بَعُدَت، فإن في ذلك منعة وعزة، تتقوى بها الأمة أمام أعدائها، ولا خير في كثرة ليس فيها قوة ولا منعة، قال صلى الله عليه وسلم (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم من كل أفق، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قال: قلنا: يا رسول الله أمن قلة بنا يومئذ ؟ قال: أنتم يومئذ كثير، ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل، ينتزع المهابة من قلوب عدوكم، ويجعل في قلوبكم الوهن، قال: قلنا: وما الوهن ؟ قال: حب الحياة وكراهية الموت ).
فكيف إذا أضيف إلى تفرق الأمة وتشتت آرائها ومرادها ذلك الوهن الذي تستعلي فيه محبة الدنيا وحب البقاء فيها، وتقديمها على الآخرة ونعيمها، وما يتبع ذلك من الرضا بالملذات وحطام الدنيا، وكل يقول نفسي نفسي وملذاتها، فلا ينظر الأخ لأخيه، ولا يتفقد القريب قريبه، ولا يُرَاعَى حق العالم والكبير والسلطان والسيد في قومه، ولا تراعى حقوق الولاة، ولا يراعي الولاة حقوق رعاياهم.