ومات أبو طالب بعد أن خرجوا بقليل، وماتت خديجة أم المؤمنين أيضاً في ذلك العام. فنالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم تكن تنله في حياة أبي طالب.
فقد يَعْقبُ الشدة بريق من الأمل والفرج، ثم تعقبه شدة أخرى، ولذلك لا تبتئس الأمة المسلمة بما يصيبها من ويلات ونكبات، فسيعقب ذلك نصر وعزة وتمكين، فما أن خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم من هذا الحصار الغاشم إلا ويتوفى اللهُ عَمَّه أبا طالب، وزوجه خديجة رضي الله عنها، وذلك في عام واحد. وإنه لابتلاء يلقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نبي؛ فكيف بمن هو دونه ؟ قال تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولَمَّا يأتكم مثل الذين خلوا من قبل مَسَّتْهُمُ البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب) لقد وجد النبي صلى الله عليه وسلم على فقد عمه وزوجه وجداً شديداً؛ حتى سمي ذلك العام بعام الحزن، إلا أن ذلك لم يكن عائقاً أمام مواصلة السير في أداء واجب الرسالة.
وإن ما نالته قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاة عمه وزوجه رضي الله عنها لدليل على أهمية القوة للدعوة الإسلامية والداعية، سواء كانت قوة مادية أو معنوية أو سياسية، ولهذا يلزم التظافر بين عامة المسلمين والدعاة وقيادتهم السياسية التي يتقوون بها، والعمل على توحيد الجهود، كما يجب استقطاب السياسة والسياسيين لصفهم واعتبارها قوة يُستعان بها على نصرة الإسلام، وإن من أخطر الأمور استعداء الحكومات المسلمة والوقوف ضدها. فالحكومة المسلمة لها من القوة والنفوذ ما يجعلها سياجاً قوياً للإسلام، وبالتالي فإنه يجدر بالدعاة العمل من خلالها.
ويقاس على ذلك استقطاب أهل المكانة والقوة والفضل ممن يؤمل فيهم الخير، وذلك في كل أمر من أمور الدنيا والآخرة، إذا كان في استقطابهم مصلحة للإدارة أو التجارة أو لمصحة أو لمراكز البر والجمعيات الخيرية، ومن الشواهد على ذلك إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث كان إسلامه فتحاً وقوة ونصرة للمسلمين، وهو فرد واحد، قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه ( ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر) وشرط هذا الاستقطاب أن يكون على منهج الله تعالى.