ثم يقول عروة بن الزبير في وصف ذلك الحدث العظيم (…فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، فقام أبو بكر للناس، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتا، فطفق من جاء من الأنصار ـ ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ يحي أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك، فلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى، وصلى فيه رسول اللهصلى الله عليه وسلم…) .
يظهر من هذه الرواية الحديثية: تواضعه صلى الله عليه وسلم إذ لم يظهر بالمظهر الذي يميزه عن غيره من الناس، وفيه كذلك من الفوائد حرص أبي بكر الصديق رضي الله عنه على خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم والعناية به، فيظلله عن الشمس بردائه، فيعطي بذلك أبو بكر الصديق الأدب والحرص الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم مع رسوله صلى الله عليه وسلم ولئن توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن دين الله باق، ومحبته صلى الله عليه وسلم باقية، فيتأدب المرء معه؛ ويحب سنته؛ ويعمل بها، ويحرص عليها كحرص أبي بكر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك التأدب مع أهل العلم الذين ورثوا ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويستفاد من هذه الرواية أهمية المسجد، وأهمية العناية به، وأهمية وضعه في قلب كل مدينة أو حي يُنْشَأ، فمن أول أعماله صلى الله عليه وسلم في قباء بناء المسجد الذي أسس على التقوى.
وقد مكث صلى الله عليه وسلم في بني عمرو بضع عشرة ليلة، وقيل: أنها أربع عشرة ليلة.
(…ثم ركب راحلته، فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة…)