وتتكرر المعجزة أيضاً في موقف آخر؛ حيث مَرَّ صلى الله عليه وسلم ومن معه بعبد يرعى غنماً فاستسقياه من اللبن، فقال: ما عندي شاة تحلب، غير أن ههنا عناقاً حملت أول الشتاء، وقد أخدجت وما بقي لها لبن، فقال صلى الله عليه وسلم: ( ادع بها ) فدعى بها ؛ فاعتقلها النبي صلى الله عليه وسلم ومسح ضرعها، ودعا حتى أنزلت، فشربوا. فقال: الراعي بالله من أنت ؟ فوالله ما رأيت مثلك قط، قال: أو تراك تكتم عليَّ حتى أُخبرك؟ قال: نعم، قال: فإني محمد رسول الله. فقال: أنت الذي تزعم قريش أنه صابئ، قال: إنهم ليقولون ذلك ؟ قال: فأشهد أنك نبي، وأشهد أن ما جئت به حق، وأنه لا يفعل ما فعلت إلا نبي، وأنا متبعك، قال: إنك لا تستطيع ذلك يومك؛ فإذا بلغك أني قد ظهرت فأتنا.
ويبين هذا الموقف تكرار المعجزة، وتوفيق الله تعالى ومعيته لنبيه صلى الله عليه وسلم كما بين أن قريشاً قد بذلت جهداً كبيراً في صد الناس عن الرسول صلى الله عليه وسلم واستخدمت أسلوب التكذيب والبهتان، حتى وصلت هذه الافتراءات للراعي يرعى الغنم في الصحراء، فيقول الراعي: أنت الذي تَزْعُم قريش أنه صابئ ؟
ويفيد هذا الموقف: أن الحق أبلج، فلابد له من الظهور؛ مهما كاد الكائدون ومكر الماكرون، وأن الباطل مآله الخسران المبين مهما بلغ أصحابه من القوة والتأثير، فلا يسع المؤمن إلا الصبر والعمل وعدم اليأس.
ثم حكمته صلى الله عليه وسلم التي تظهر في كل قرار يتخذه، فلم يصرف هذا الراعي إلى الاتجاه معه صوب المدينة، بل أخبره بأن يبقى حتى يسمع بظهوره صلى الله عليه وسلم فيأتي إليه، لما في ذلك من مصلحة للراعي وللدعوة، والله تعالى أعلم. ويكفيه في تلك اللحظة دخوله في الإسلام.
وهكذا يكون المؤمن حكيماً في قراراته، ينظر إلى مغبة القرار قبل إبرامه، حتى يتفادى مؤثراته، فيلزم الدقة في التفكير، ودراسة القضايا دراسة واعية.