وبعد أن مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني عمرو بضع عشرة ليلة، وقيل: أنها أربع عشرة ليلة (… ركب راحلته، فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة…)
وقد ظهر الفرح العميق الذي غشا رجال الأنصار ونساءهم وصبيانهم حتى صعدوا فوق البيوت، وانتشر الغلمان والخدم في الطرقات ينادون: يا محمد، يا رسول الله! يا محمد ! يا رسول الله! إنها لفرحة عظيمة قد ملأت قلوب الأنصار بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن شواهد ذلك الفرح العميق أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما أراد دخول المدينة بعث إلى الأنصار، فجاءوا إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، فسلموا عليهما، وقالوا: اركبا آمنين مُطاعين، وحفوا دونهما بالسلاح، فقيل في المدينة: جاء نبي الله ! جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم ! فأشرفوا ينظرون ويقولون: جاء نبي الله .
ويقول عروة بن الزبير (…فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان مربداً للتمر لسهيل وسهل؛ غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بركت به راحلته: هذا إن شاء الله المنـزل. ثم دعا رسول الله الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجداً، فقالا : لا ، بل نَهَبُهُ لك يا رسول الله، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجداً، وطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل معهم اللبن في بنيانه ويقول ـ وهو ينقل اللبن:
هذا الحمال لا حمال خيبر
هذا أبرُّ ربنا وأطهر
اللهم إن الأجرَ أجرُ الاخرة
فارحم الأنصار والمهاجر
فمن أول أعماله صلى الله عليه وسلم في قباء بناء المسجد الذي أسس على التقوى، وكذلك عندما حط رحاله صلى الله عليه وسلم في المدينة، حيث شرع في بناء مسجده صلى الله عليه وسلم مما يؤكد أهمية المسجد في حياة المسلمين، ولذلك يجب أن يُعطى الأهمية والعناية والحرص على أن يكون العنصر الأول في كل حي ومدينة.
ويظهر كرمه صلى الله عليه وسلم إذ لم يقبل عطية مربد التمر من اليتيمين إلا بثمن، ولعل سبب ذلك والله تعالى أعلم كونهما يتيمين، كما يظهر من ذلك محبة اليتيمين له صلى الله عليه وسلم فيقولان له: نهبه لك يا رسول الله.
كما يظهر تواضعه وتشجيعه صلى الله عليه وسلم بأن شارك في نقل اللبن في بناء المسجد، مما يفيد ويبين منهجية المؤمن مع إخوانه في مناشطهم وأعمالهم المشتركة، وهكذا يكون المعلم القدوة مع طلابه، والرئيس مع مرؤوسيه.
ومن الفوائد أيضاً: أهمية الترويح أثناء العمل الشاق، بالكلام الجميل الطيب، والأهازيج التي تبعث وتدفع المرء للعمل والجد، وتُشْعِلُ فيه جَذْوَةَ النشاط والحيوية. فلقد اشتملت تلك العبارات التي كان يرددها صلى الله عليه وسلم الدعاء والتذكير بأجر الآخرة.