يُعَدُّ النقدُ التربوي مشاركةً حقيقيةً ، ومساهمةً فاعلةً في الإصلاحِ والتوجيه ، من حيث بيانِ المفاهيمِ الصحيحةِ المبنيةِ على الكتابِ والسنة ، والإبقاءِ على ما هو صالح ، والتحسينِ لما يحتاج إلى تحسين ، والتبديلِ لما ثَبَتَ فسادُه ، والعملِ على حَلِّ المشكلاتِ التربويةِ المختلفة ، ومن ذلك ذِكْرُ النبي صلى الله عليه وسلم للمعايير التي يعتبرها الناس عند خطبة المرأة بقوله : (( تنكح المرأة لأربع : لِمالها، ولِحَسَبها ، وجمالها ، ولدينها ، فاظفر بذات الدين تربت يداك )) .
قال ابن حجر رحمه الله : ” والمعنى أن اللائق بذي الدين والمروءة أن يكون الدين مطمح نظره في كل شيء ، لاسيما فيما تطول صحبته ، فأمَرَه النبي صلى الله عليه وسلم بتحصيل صاحبة الدين ، الذي هو غاية البغية ” ، وانتقد مَن ينظر إلى واحدٍ من هذه المعايير ويغض طرفه عن الدين ، لأنها مجرد مظاهر شكلية ، ربما يتدارك تحصيلها ، أما الدين فإنه الأساس الذي ينبني عليه غيره ، ولا تطيب العشرة أو تدوم إلا به .
وهو بهذا يُشَكِّلُ حِصْناً منيعاً لحماية المجتمعِ وأفرادِه من غائلةِ الآراءِ المنحرفةِ ، والتصورات الخاطئة ، والأفكارِ الهدامةِ التي يواجهها الأفراد في حياتهم الواقعية ، أو من خلالِ ما يقرؤونه في المؤلفاتِ بمختلف أنواعها ، وذلك لأن الخطأ إذا صَدَرَ من فردٍ أو جماعةٍ أو مؤسسةٍ أو غيرها ولم يتم تصحيحه ، وبيان ما فيه من مجانبةٍ للصواب ، أدى ذلك إلى تشويهِ الحقائق ، وطَمْسِ معالمها ، وربما أدى إلى ضروبٍ من الانحلالِ الخُلُقي أو الانهزامِ النفسي ، والتبعيةِ الفكريةِ غيرِ الواعيةِ للآخرين ، كما أنه ينشأُ عليه الصغيرُ ويألفُه ، فيظن أنه من الحقِ والصواب ، قال الشيخ السعدي رحمه الله : ” وبترك الإنكارِ للمنكرِ يَنْدَرِسُ العلم ، ويَكْثُرُ الجهل ، فإن المعصيةَ ـ الخطأ ـ مع تكرارِها ، وصُدورِها من كثيرٍ من الأشخاص ، وعدم إنكارِ أهلِ الدينِ والعلمِ لها ، يُظَنُّ أنها ليست بمعصية ، وربما ظن الجاهلُ أنها عبادةً مستحسنةً ، وأيُّ مفسدةٍ أعظمُ من اعتقادِ ما حرم الله حلالاً ، وانقلابِ الحقائقِ على النفوسِ ، ورؤيةِ الباطلِ حقاً ؟! ” .
وبالتالي فإن النقد التربوي ليس مجردَ كَشْفٍ للأخطاءِ ، بل يتضمن خطواتٍ أخرى إيجابيةً ، وهي السعيُ إلى التحسينِ والإرشادِ بأفضلِ الطرقِ التي تحقق الأهداف .
كما أن النقدَ التربويَ يتضمن إيجاد الحلولِ المناسبةِ ، والبدائلِ المقترحةِ للحاضرِ والمستقبل ، ولا ينحصر على ذاتِ المشكلة فحسب ، وذلك لإشعارِ الطرفِ المنتقَد بالتعاون المتبادَل ، وإعطائه نوعاً من التفاؤلِ لتجاوزِ هذه المشكلة .